ابن كثير

130

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 159 إلى 164 ] فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ( 159 ) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 160 ) وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 161 ) أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 162 ) هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ( 163 ) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 164 ) يقول تعالى مخاطبا رسوله ، ممتنا عليه وعلى المؤمنين فيما ألان به قلبه على أمته المتبعين لأمره ، التاركين لزجره ، وأطاب لهم لفظه فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ أي : أي شيء جعلك لهم لينا ، لولا رحمة اللّه بك وبهم ، وقال قتادة فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ يقول فبرحمة من اللّه لنت لهم ، وما صلة « 1 » ، والعرب تصلها بالمعرفة كقوله فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ * [ النساء : 155 ] وبالنكرة كقوله : عَمَّا قَلِيلٍ [ المؤمنون : 40 ] وهكذا هاهنا قال : فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ أي برحمة من اللّه ، وقال الحسن البصري هذا خلق محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بعثه اللّه به ، وهذه الآية الكريمة شبيهة بقوله تعالى : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [ التوبة : 128 ] . وقال الإمام أحمد « 2 » : حدثنا حيوة ، حدثنا بقية ، حدثنا محمد بن زياد ، حدثني أبو راشد الحبراني قال : أخذ بيدي أبو أمامة الباهلي وقال : أخذ بيدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال « يا أبا أمامة إن من المؤمنين من يلين لي قلبه » تفرد به أحمد . ثم قال تعالى : وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [ آل عمران : 159 ] والفظ الغليظ ، والمراد به هاهنا غليظ الكلام لقوله بعد ذلك غَلِيظَ الْقَلْبِ أي لو كنت سئ الكلام ، قاسي القلب عليهم لانفضوا عنك وتركوك ، ولكن اللّه جمعهم عليك ، وألان جانبك لهم تأليفا لقلوبهم ، كما قال عبد اللّه بن عمرو : « إني أرى صفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الكتب المتقدمة إنه ليس بفظ ، ولا غليظ ، ولا صخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح » . وقال أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي : أنبأنا بشر بن عبيد الدارمي ، حدثنا عمار بن عبد الرحمن عن المسعودي عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « إن اللّه أمرني بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض » حديث غريب .

--> ( 1 ) أي زائدة . ( 2 ) مسند أحمد 5 / 267 .